BEGIN TYPING YOUR SEARCH ABOVE AND PRESS RETURN TO SEARCH. PRESS ESC TO CANCEL

مشروع الإمام الشافعى

بســـــم الله الرحمن الرحيـــــم

عود على بدء“ فى قصة الصراع بين النقل والعقل فى الفكر الإسلامى :   مشروع الإمام الشافعي
لترسيخ سلطة النصوص على حساب العقل الإسلامى

أ‌. د. محمد خيرى قيرباش أوغلو<
كلية الالهيات بجامعة أنقرة

الأغلبية العظمى من المفكرين الإسلاميين و الباحثين و الدارسين متفقون على أن الركود أو الجمود الفكرى الذى يعانى منه العالم الإسلامى المعاصر هو من أهم أسباب الأزمات السائدة فى كثير من المجالات الإقتصادية و السياسية و الثقافية و الإجتماعية . وبالرغم من هذا الإتفاق فإننا نعانى تقصيرا واضحا فى حصر عوامل هذا الركود الفكرى وإيجاد الحلول المدروسة الناجعة لعلاجها، ولإعادة الحيوية مكان الجمود فى العقل الإسلامى .
إن تاريخ التراث الفكري الإسلامى أكبر شاهد على أن الركود يترافق معه غالبا التعصب و التطرف والتقليد الأعمى ، فينجم عن ذلك إتجاه واضح نحو التحذب والإمعان فى التمذهب والتفرقة والعدوان أحيانا بالوصول إلى درجة التهجير والتكفير، مما نلاحظ آثاره المستمرة فى بعض الحركات و التيارات الإسلامية المعاصرة فى مختلف أرجاء المعمورة .
ونلاحظ أيضا؛ أن الخطاب الإسلامى المعاصر والسائد فى العالم الإسلامى حاليا يعلن باستمرار شعاراته الرئيسية و المفضلة بشكل نداءات متشابهة على أن „الحل الوحيد: هو الإسلام“ ثم لا يتبع ذلك عمليا سوى قراءات محدودة لبعض أيات القرآن الكريم، أو ترداد بعض الأحاديث النبوية، مع ذكر أمثلة تاريخية حول تطبيق الشريعة الإسلامية فى الماضى البعيد.
أما تقديم حلول واقعية وقابلة للتطبيق كبديل إسلامى لما يقدمه الغرب أو القوى الحاكمة فى العالم، فإن الخطاب الإسلامى المعاصر يقف حيالها صامتا جامدا لعجزه عن تغطية الحاجات المتنامية التي أخذت تتسارع فى هذا التقدم التكنولوجى والعلمي الإخير.
فالجمود الفكري الحالى إذن بمواجهة التقدم الحضارى المتسارع سيكون أشد خطرا فى نتائجه السيئة، من الجمود الفكرى القديم الذى لم يكن يواجه ما نواجهه الآن فى عصر الإتصالات والإنترنت والإعلام العالمي الفضائي. و هذا الوضع إذا استمر فإنه سيزيد الأزمات الراهنة فى المجتمعات الإسلامية شدة وخطرا؛ بدلا من أن يؤدي إلى تحسين الوضع الفكري العلمي والسياسى والإجتماعي والإقتصادي وغير ذلك.
وأما العلماء الذين يتوقع منهم أن يأخذوا بيد الأمة الإسلامية ، فإنهم على الأغلب ، أبعد من أن يقدموا لنا حلولا تطبيقية تلبى حاجات العالم الإسلامى المعاصر، لأنهم يعيشون عقلانيا ومنهجيا فى جو القرون الوسطي بل إن أكثرهم بعيدون كل البعد عن أن يحيطوا بالتراث الفكري الإسلامى ، فضلا من أن يضيفوا إليه إضافات أو يساهموا فى تطويره وتحديده وجعله وافيا لحجات العصر وظروفه. وكل هذه المشكلات يرجع سببها إلى أمرين رئيسيين وهما: „سلطة النص“ و „غياب عقل إسلامى معاصر“
أما سلطة النص فلا نعني هنا بالنص، الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فحسب، بل يدخل فى مفهوم النص كل ما قيل حولها من شرح وتفسير واستنباط واجتهاد وما إلى ذلك، عبر القرون الإسلامية الخالية و بعبارة أخرى أن ما أودعه العلماء والمفكرون القدماء فى مؤلفاتهم من أعمال علمية وفكرية يدخل فى مفهوم النص. وما نعنيه هنا بسلطة النص هو الإكتفاء بما أنجزه العلماء القدماء وتقليدهم فيه تجاه تحديات العصر الراهن والإيمان الأعمى بأن النصوص وحدها كافية لإيجاد حلول إسلامية من غير توجيه الأنظار إلى الواقع الحاضر، لفهمه و دراسته أولا ولتقديم بدائل إسلامية مقابل الحلول التى قدمها ولا يزال يقدمها الغرب أو الحداثة  ثانيا.
أما غياب عقل إسلامى معاصر، فواضح جدا ولا يحتاج إلى شرح وبيان ولا إلى دليل وبرهان، لأن العالم الإسلامى حينما لاحظ تقدم الغرب حضاريا وشعر بما يعانيه من نقص ، لجأ إلى الإحتماء بالنصوص بدلا من إيقاظ العقل لدراسة الواقع ومعالجته؛ مما يذكرنا بقول محمود دريش –شاعر فلسطيني- :
إحتمى أبوك بالنصوص فدخل اللصوص.
ومن المحتم علينا فى هذا الموقف أن نتسائل: ما هو السبب فى جمود الفكر الإسلامى وعدم قدرته على التجاوب مع مشكلات العصر واللجوء إلى تقديس النصوص – بكل ما لكلمة „النص“ من معنى- مع ترك دراسة الواقع الردىء وإخلال التوازن بين النص والواقع؟
لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال الجسيم الخطر والبالغ فى الأهمية ليست بالأمر السهل، لأنها تتطلب دراسة الفكر الإسلامى بعمق. وليست سلطة النص وغياب عقل إسلامى بأمر عابر فى هذا العصر. بل كانت هاتان الظاهرتان نتيجة لسلسلة من التطورات خلال أربع عشر قرنا. ولكن دراسة هذه التطورات لابد وأن تكون ضمن مشروع شامل وخطة محكمة، اعتمادا على النقد الذاتى. وباختصار؛ نحن نستهدف هنا النقد الذاتى للتراث الفكري الإسلامى لنستكشف مواضع الخلل للعمل على إزالته . وبهذه المناسبة نود أن نقدم بعض ملاحظاتنا حول هذه المسألة . والذى نريد أن نتطرق اليه بهذا الصدد هو دور الإمام الشافعي فى تطور الفكر السني وبعض جوانبه السلبية ونتائجه الغير متوقعة فيما نواجهه اليوم من مشكلات فكرية ومنهجية، وخاصة مشكلة سلطة النص وغياب عقل إسلامي معاصر وبالتالي فقدان النقد الذاتي البناء للتراث.

لماذا الإمام الشافعي؟
ما كان إختيارنا للإمام الشافعى موضوعا لهذا البحث إختيارا عشوائيا بل كان إختيارا عن وعى لأنه شخصية تشكل حجر زاوية فى عملية بناء سلطة النص وإقصاء العقل عن ساحة الفكر السنى. ولندرك دور الشافعى أكثر، يجب أن نوجه أنظارنا إلى تطورات ما قبل الشافعى ولو نظرة عابرة وسريعة . فاذا فعلنا ذلك نرى المسلمين منذ البداية أي منذ عهد الصحابة والتابعين رضوان عليهم أجمعين ، قد سلكوا فى التعامل مع القرآن والسنة أمام الحوادث والنوازل طريقين مختلفين تماما: بعضهم أولى اهتمامه للنصوص وفهمها على ظواهر ألفاظها دون أن يتساءلوا حين التعامل معها: „كيف؟“ و “ لم؟ “ و بذلك أصبح دور العقل فى مجال الدين شبه ملغي؛ وبعضهم أولى اهتمامه أيضا للنصوص وفهمها، ولكن ليس على ظواهرها كما فعل السابقون، بل على اعتبار ملابساتها كأسبابها وعللها والظهروف التي تحيط بها ، متسائلا „كيف؟ و “ لم؟ “
فلنأخذ مثلا الصحابة ، نجدهم منقسمين قسمين رئيسين عند الأصوليين من الحنفية: المعروفين بالفقه والإجتهاد؛ والمعروفين بالرواية والحفظ فقط.
قد سلك مسلك الأولين طائفة من العلماء من أهل الفقه والدراية وهم أصحاب الرأي/ أهل الرأي؛ وسلك مسلك الأخرين طائفة أخرى من العلماء الذين هم أهل النقل والرواية فقط وهم أصحاب الحديث/ أهل الحديث.
واعتمد الفريق الأول على النصوص واستخدام العقل على حد سواء، ولم يروا تناقضا بين النقل الصحيح والعقل الصريح مبدئيا، بينما اعتمد الفريق الثانى على النصوص أيضا ولكن مع فهمها على ظواهرها وأهمل دور العقل فى مجال الدين، بل عاداه، كما يدل على ذلك ما أودعه أهل الحديث فى مصنفاتهم الحديثية من أثار ونقول ضد توظيف العقل فى مجال الدين.
أما النزاع والتخاصم بين أهل الحديث وأهل الرأي فمشهور لا داعي لإطالة الكلام فيه. والذى يهمنا هنا، هو مدى صحة الحكاية المشهورة حول تأليف الإمام الشافعي بين هذين الفريقين ، فإن جمهور المؤلفين فى تاريخ الفقه الإسلامى متفقون على أن أهل الحديث كانوا يعتمدون على رواية الحديث دون درايته أى فقهه ويعادون العقل ويذمون استخدامه فى الدين، بينما كان أهل الرأي يعتمدون ـ حسب هذه الحكاية ـ على رأيهم ويتبعون هواهم وبذلك يتركون كثيرا من الأحاديث بحجة العقل وكذلك كانوا يلتمسون للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية مفاهيم باطلة لتأييد ما ذهبوا إليه وفق ما حسنته عقولهم . ثم جاء الإمام الشافعي ولقن أهل الحديث أهمية الدراية أي فقه النصوص ولقن أهل الرأي أهمية النصوص وخاصة الأحاديث النبوية وأقنعهم على التقليل والتخفيف من استخدام العقل فى الدين وتصالح الطرفان بعد توسط الشافعي بينهما وكانت النتيجة أن انفتح طريق ثالث متوسط بين أهل النقل (أي أهل الحديث) وبين أهل العقل (أي أهل الرأي) وبذلك أحرز الشافعي مكانة مرموقة فى تاريخ الفكر الإسلامى بصفة عامة وفى تاريخ الفقه الإسلامى بصفة خاصة كمؤسس للوسطية بين النزعة العقلية والنزعة النقلية (بين العقلانية والنقلانية) أو بتعبير أخر، بين المقصر وبين الغالي؛ من حيث استخدام العقل فى الدين.

ملاحظتنا حول هذه الحكاية
و من الواضح جدا أن صياغة الحكاية بهذه الصورة هي من صنع أهل الحديث والشافعية لأن أهل الرأي ليسوا فى الحقيقة ممن يقلل من شأن السنة والأحاديث النبوية. أما هذه التهمة الموجهة والملصقة إلى أهل الرأي فهو ناجم إما عن عدم فهمهم لمذهب أهل الرأي أو لسوء نيتهم فيهم أو عن كليهما.
فاذن، نعود ونتساءل مرة أخرى فى ضوء هذا البيان: ما هو الفارق بين أهل الحديث وأهل الرأي ما دامت المدرستان تعتبران السنة مصدرا من مصادر الشريعة الإسلامية؟
الجواب عندنا: ان محل النزاع والتخاصم بين المدرستين الرئيسيتين هو دور العقل فى حقل الدين وجواز استخدامه فى هذا المجال، فإن أهل الحديث كانوا يسعون وراء تحقيق هدفهم إلى توسيع نطاق النصوص بحيث تغطي جميع جوانب الحياة البشرية ويزعمون أن العقل لا مجال له فى الدين بحال؛ لأن مصادر الدين عندهم عبارة عن النصوص فقط . وأما العقل فلا يجوز الإعتماد عليه لأن „العقل والهوي“ شئ واحد لا فرق بينهما.
وأما أهل الرأي ـ من جانب أخر ـ فقد كانوا يؤمنون بضرورة توظيف النصوص والعقل معا وبضرورة استخدام العقل فى فهم النصوص من جهة وفى تمييز الصحيح من السقيم من الأخبار من جهة أخري. ومن أجل ذلك نجدهم أكثر دقة وحيطة من أهل الحديث فى قبول الروايات ولا يكتفون بصحة الإسناد، بل يفرضون شروطا أخري متعلقة بالمتون ويختارون من الأحاديث والأثار ما يوافق أصولهم التي تختلف عن أصول أهل الحيث إلى حد كبير. وبعبارة أخري كانت مدرسة أهل الرأي تقوم بنقد خارجي وداخلي على حد سواء، بينما كانت مدرسة أهل الحديث تكتفى بنقد خارجي فقط ولا تؤمن بضرورة النقد الداخلي بل ترفضه وتعاديه بحجة أن تطبيق مثل هذا المبدأ قد يؤدي إلى إسقاط كثير من الأحاديث وهذا مالا يريدون الوقوع فيه.
ومن جانب آخر؛ فإن النصوص – قرآنية كانت أم حديثية- فهي محدودة بجانب النوازل والحوادث والمشكلات التي شوهدت فى التاريخ ولا نزال نشاهدها اليوم فى ازدياد. ولذالك كان أهل الرأي يؤمنون بضرورة توظيف العقل واستخدامه فيما لا نص فيه، من المستجدات الإجتماعية والإقتصادية والمعرفية و العلمية وغير ذلك.
ولعل طريقة أهل الحديث فى التعامل مع النصوص وإكتفائهم بها، كانت ناجعة و وافية لتلبية حاجات المسلمين فى القرون الأولى التي لم تتغير البنية الإجتماعية كثيرا عما كانت عليه فى عهد رسول الله صل الله عليه وسلم إلا أن التطورات و المستجدات سرعان ما ظهرت و انتشرت عقب انتشار الإسلام بحيث لم يعد من الممكن الإكتفاء بما قدمته النصوص من حلول جاهزة ؛ الأمر الذى فرض على المسلمين استخدام وسائل جديدة للإجتهاد ؛ كالقياس والإستحسان والإستصحاب والمصلحة المرسلة وعدم إهمال العرف وغير ذلك وكان هذا تطورا طبيعيا لأنه كان من المستحيل إيجاد نص كامل الإنطباق تجاه كل حادثة أو مشكلة بحيث لا تظهر الحاجة لتشغيل العقل والإجتهاد.
وباختصار، إن الصورة التي صورها أكثر علماء أهل السنة حول الدور الذى لعبه الشافعي فى تأسيس الوسطية بين أهل الرأي وأهل الحديث غير مطابقة للواقع؛ بل هي صورة مشوهة عن التوتر القائم بين المدرستين من أهل الرأي ومن أهل الحديث وإنما الصحيح هو أن الامام الشافعي لم يتوسط بينهما، بل انحاز إلي مذهب أهل الحديث وانتصر له واتبع عمليا منهجهم، في التعامل مع النصوص ومن ثم لقب بـ „ناصر الحديث“1
وهذا ملخص ماتوصل إليه بعض الدراسات الحديثة مع ما أضفنا من ملاحظاتنا وبعض انتقاداتنا حول الدور الذى لعبه الشافعي فى تاريخ الفكر الإسلامى.
وبعد عرض هذا الموجز لمشروع الإمام الشافعي فى ترسيخ سلطة النص وتوطيدها، يجب أن نلقي بعض الضوء على الأثر العميق لهذا المشروع فى سلبيات الفكر الإسلامى المعاصر، رؤية و منهجا.
هل الإمام الشافعي مؤسس علم أصول الفقه؟
سبق أن أشرنا إلى أن كثيرا من العلماء والباحثين و الكتاب – قديما وحديثا – قد اتفقوا على أن الشافعي واضع علم أصول الفقه وأول مصنف فى هذا الفن. ويبدوا أن اصحاب هذا القول قد اغتروا بوجود بعض الموضوعات المتعلقة بأصول الفقه مثل مكانة السنة من القرآن والبيان وأنواعه، والنسخ وحجية خبر الآحاد و القياس فى كتاب الرسالة له . ولكن مجرد ذكر هذه المسائل فى كتاب ما ، لا يكفى لوصفه بأنه كتاب أصول، لأن قصد الشافعي من إيرادها لم يكن لتأسيس علم أصول الفقه، وإنما أوردها لإثبات حجية النصوص أو بتعبير أصح لتثبيت سلطة النص وتضييق مجال استخدام العقل فى الدين. فالرسالة بهذا الإعتبار ليست كتاب أصول ولكنها كتاب جدل كلامي وفقهي قد ألفه خصيصا لتوسيع نطاق النصوص وتقليل شأن العقل فى مجال الدين. ويجوز أيضا أن نعتبرها كتابا ضد أهل الرأي (أي الحنفية والمعتزلة و غيرهم) لا غير. ومن ثم لا يمكن أن تعتبر „الرسالة“ كتابا قدم لنا الشافعي فيه منهجا متكاملا فى أصول الفقه.
هذا من جهة . و من جهة أخري نريد أن نلفت الأنظار إلى أن „الرسالة“ تنقصها موضوعات كان لا بد من ذكرها فى أي كتاب من كتب أصول الفقه كموضوعات „الألفاظ ودلاتها“ و“التعليل“ وغيرها.
وبهذه الملاحظات، تتضح لنا أن الإمام الشافعي لا يمكن أن نعده مؤسسا لعلم أصول الفقه وكذلك لا يصح أن توصف الرسالة بأنها أول مصنف فى علم أصول الفقه.2

هل هو أول مصنف أيضا فى علوم الحديث؟
قال المحقق المشهور أحمد محمد شاكر فى مقدمته عن „الرسالة“ أنها أول مصنف فى علوم الحديث أيضا، وذكر بعض الأدلة على صحة ما ذهب اليه.3 ولكن أدلة أخري أقوي من أدلته تدل على بطلانه، ذلك لأن الرسالة لو كانت كتابا فى علوم الحديث لما كان ينبغي أن تذكر فيها موضوعات مثل «القرآن وأنواع البيان فيه وعلاقته بالسنة والقياس» وغير ذلك . وليس فى الرسالة موضوع متعلق بعلوم الحديث سوي خبر الآحاد وحجيته وشروط صحته فقط وكما انه لا يكفى وجود موضوعات متعلقة بعلم أصول الفقه فى كتاب لوصفه بكتاب الأصول، فإنه لا يكفى أيضا وجود بعض الموضوعات المتعلقة بعلوم الحديث فى كتاب ، لوصفه بكتاب «أصول الحديث» .

الشافعي ممثل أصحاب الحديث وخطيبهم فى رفع مستوي الأحاديث الى المرتبة الثانية بعد القرآن، وإقامتها مقام السنة الفعلية الجماعية (مثل عمل أهل المدينة وعمل أهل العراق وعمل أهل الشام)
وإلى أن جاء الشافعي كان الفقهاء يستدلون بالقرآن والسنة الفعلية المتوارثة فى بلادهم بجانب ما يستدلون من الروايات الحديثية المعروفة عندهم وكانت السنن العملية المتوارثة تختلف من بلاد إلى أخري وبسبب هذا الإختلاف كانت الفتاوي تختلف باختلاف البلاد. وكان هذا التطور فى نظر الشافعي تطورا سلبيا. وللحد منه، أراد الشافعي تحديد المصادر التي يأخذ منها الفقيه أدلته. وكان الشافعي يؤمن بوجوب الإحتجاج بالأحاديث المروية عن طريق الرواة بدلا من الإحتجاج بالسنن العملية المتوارثة المختلفة من بلاد إلى أخري وكان يؤمن أيضا بضرورة تحديد المصادر التشريعية وتوحيد المناهج فى استنباط الأحكام وكان يطمح إلى أن تخدم الأحاديث كوسيلة تمنع اختلاف الفتاوي الناجمة عن اختلاف السنن العملية المتوارثة. ومن أجل ذلك نري أن الشافعي يتكلم فى الرسالة عن حجية خبر الآحاد أكثر من أن يتكلم عن حجية السنة العملية المتوارثة.
ولا شك أن نية الشافعي كانت سليمة فى إحلال الروايات الحديثية محل السنن العملية المتوارثة ولكنه لم يدرك خطورة الركون إلى الأحاديث أكثر من الركون إلى السنن الفعلية حيث إن وضع الأحاديث واختلاقها متنا وإسنادا أسهل بكثير من وضع السنن العملية، بل إن وضع السنن العملية هو من المستحيل، لأن أية محاولة لتغييرها – ما دام الناس يعتقدون صحتها- لابد و أن يلقي من المجتمع العامل بها رد فعل مضاد وشديد، مما يدل على أن تغيير السنن العملية المتوارثة جيلا بعد حيل هو فى غاية الصعوبة بالنسبة للتغيير فى الروايات الحديثية عن طريق الوضع مثلا.
وبعد مضي قرون على عصر الشافعي؛ تبين أكثر، أن اعتبار الأحاديث المروية بالأسانيد هو أخطر من اعتبار السنن العملية. وهذا خلاف ما كان يتوقع من قيام الأحاديث بتسهيل الطريق إلى توحيد كلمة الفقهاء فى مجال الاستنباط والاحتجاج ونعني بذلك ظاهرة وضع الأحاديث متنا واسنادا. بل إن محاولة الشافعي هذه مهدت الطريق للوضاعين الذين يريدون تطويع السنة النبوية لأهوائهم لأن وضع حديث واحد متنا وإسنادا لا يأخذ من الواضع إلا دقائق معدودة بينما كان وضع سنن عملية جديدة وتغيير سنن قائمة موروثة هو أمر فى غاية الصعوبة بل هو من المستحيل.
إن التطورات المواكبة لإحلال الأحاديث محل السنن العملية بفضل نشاطات أصحاب الحديث – وعلى رأسهم الشافعي ممثلا لهم و منظرا – قد أدت إليى تنامى الوضع و بالتالى تمكن كل فرقة وكل نزعة سياسية أو عنصرية أو مذهبية فقهية أوعقيدية، من وضع الأحاديث التي تحقق مصالحهم وتؤيد آرائهم وانتشرت الأحاديث الموضوعة فى بيئات مختلفة، واستمر الوضع دون قيد وتسرب كثير من هذه الموضوعات إلى بنية الفكر الإسلامى.
وبفضل جهود العلماء فيما بعد تلك الحقبة تم تمييز الطيب من الخبيث والمقبول من المردرد إلى حد ما، ولكن كمية كبيرة من الأحاديث الموضوعة والروايات الإسرائيلية والمسيحية والأساطير قد بقيت فى بطون المصادر بحيث يمكن القول بأنه ما من مصدر من مصادر العلوم الإسلامية إلا وفيه بعض «الموضوعات» بل الكثير منها مشحونة بها.
والذى يؤسفنا هو أن علمائنا اليوم – رغم مضي القرون الطويلة وظهور الآثار السلبية الضارة لهذه الموضوعات- فإنهم لم يدركوا خطورة هذا الأمر حق الإدراك بل أكثرهم فى غفلة أو تساهل أمام أضرار هذه الروايات الموضوعة على الاسلام والمسلمين.

الحكمة فى القرآن هي «السنة» عند الشافعي
ومن الآثار العميقة التي تركها الشافعي فى نفوس علماء أهل السنة فى مجال إثبات حجية السنة هو استدلاله بـ «الحكمة» المقرونة بـ «الكتاب» فى القرآن الكريم، زعما منه أنها بمعني «السنة».4 ومن المعلوم أن الإحتجاج بالحكمة المقرونة بالكتاب، هو أسلوب شائع جدا فى كتب المؤلفين حول حجية السنة قديما وحديثا؛ ولا يزال هذا الأسلوب يتبناه كثير من العلماء المعاصرين كما فعل الأستاذ عبد الغني عبد الخالق فى كتابه «حجية السنة» كآخر مثال لأثر الشافعي فى هذا الموضوع. ولندرك مدي هذا الأثر يكفى الإشارة إلى أنه لم يزد فيه على مجرد أن ينقل أقوال الشافعي من «الرسالة» ولم يأت بشيء جديد حول مسألة الإحتجاج بمفهوم «الحكمة» فى القرآن.5
والذي نود أن نقوله هنا هو أن للإمام الشافعي أثرا كبيرا فى نفوس العلماء بحيث لم يتخلص من قيود هذا الأثر أحد من أهل السنة ، لا فى القديم ولا فى الحديث رغم مضي اثني عشر قرنا؛ ومن أجل ذلك لم يستطع أن يتخلص أيضا الأستاذ المذكور من هذا الأثر البالغ ومن ثم لم يخطر بباله أن يناقش صحة هذا الإستدلال وبالتالي لم يقم بدراسة الموضوع، ولو فعل ذلك لعلم أن تفسير الحكمة بالسنة ليس أمرا شائعا ومتفقا عليه بين العلماء، بل يبدو وكأنه تفسير غير معروف وشائع فى الأوساط العلمية قبل الشافعي ودليل ذلك أن المفسر الشهير مقاتل بن سليمان (ت. 150 هـ.)6 قد فسر الحكمة فى كتابه «الوجوه والنظائر»7 على خمس وجوه لم يذكر فيها معني «السنة» بحال.
ولكن عالما من معاصري الأستاذ عبد الغني –وهو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله- قد أنكر اعتبار الحكمة والسنة شيئا واحدا، خلافا للأستاذ عبد الغني واستدل على خطأ هذا التفسير بالآيات التي ورد فيها ذكر «الحكمة» بحيث لا يمكن تفسيرها بالسنة كقول الله تعالي فى سورة آل عمران عن المسيح عيسي عليه السلام (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) 8
والراحج عندنا هو أن كلمة الحكمة إذا قرنت بالكتاب وكانت الآية متعلقة بخاتم النبيين والمسلمين معه، قد تدل على «السنة» دون حصر عليها. وهناك دراسات توصلت إلى نتيجة أن الحكمة لا يمكن خصرها بالسنة، بل إن السنة ليست إلا معني من معاني «الحكمة» وبهذا الإعتبار فقط يجوز الإستدلال بالحكمة المقرونة بالكتاب، على السنة دون حصرها بالسنة كما فعل الشافعي فى الرسالة.

مفهوم «العلم» عند الشافعي
خطوة أخرى خطاها الإمام الشافعي ضمن مشروعه لتوطيد سلطة النصوص، هي حصره لمعني «العلم» على „الأخبار“ بكل ما للكلمة من معني؛ لأن العلم عند الشافعي قسمان: «علم عامة» وهو موجود نصا فى كتاب الله وموجود عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عمن مضي من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون فى حكايته ولا وجوبه عليهم9 و علم خاصة» فيما ليس فيه نص كتاب ولا فى أكثره نص سنة وإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة.10
ويدل ذلك دلالة واضحة على أن «العلم» عنده لا يعدو المنقولات (أو السمعيات) ولا مجال للعقل في مفهوم العلم عند الشافعي وبذلك يتضح لنا، لماذا أنكر آليات الإجتهاد المختلفة كالإستحسان والمصلحة المرسلة والعرف وغيرها من الآليات واختار منها «القياس» فقط كآلية الإجتهاد، لأنه منوط تماما بالنصوص ، إذ لا قياس إلا مع النص وعلى النص المقيس عليه؛ وبذلك أصبح الإجتهاد عنده مجرد اكتشاف ما هو موجود بالفعل فى النصوص، ويحصر دور عقل المجتهد ـ أو القائس ـ فى حدود معرفة الدلائل والعلامات الكاشفة عن ذلك الموجود فى الخارج أي فى الكتاب أو فى السنة.11
و إذا قارنا القياس بالإستحسان من وجهة نظر الشافعي ، نجد القياس دائما فى نظره مستندا على أصول ثابتة لا يستند الإستحسان إلى مثلها، وبناء على هذا التصور يبدو الامر للشافعي كأن القياس عاصم ضد الخلاف، ولذلك نجده كثيرا ما يتحدث عنه بوصفه نصا شبيها بالإجماع فى حين يقرن دائما بين الإستحسان والخلاف المكروه .12
ولكن موقف الشافعي السلبي من الإستحسان واعتباره إياه تلذذا فهو ناشيء عن عدم فهمه للإستحسان جيدا وذلك لأن الإستحسان قد يبدو فى بادىء الأمر أنه لا يستند إلى نص معين ولكنه فى الحقيقة – خلاف اعتقاد الشافعى – مستند إلى أصول مستنبطة مستقرأة من النصوص القرآنية والسنن المتوا رثة و الأحاديث النبوية.

الإمام الشافعي هو أول مصنف قام بتحديد وتدوين شروط صحة الأحاديث ضمن
مشروعه لتوطيد سلطة النصوص
إن الشافعي قد تابع المسير نحو هدفه ضمن مشروعه، وقام بتحديد شروط صحة الأحاديث والآثار والأخبار لأول مرة وذلك حسب المعلومات التي تتوافر لنا فى المصادر والدراسات حتى الآن، حيث قال الشافعي فى الرسالة:
«لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتي تجمع أمورا منها : أن يكون من حدث به ثقة فى دينه، معروفا بالصدق فى حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعني ، لأنه إذا حدث به على المعني وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه احالته الحديث ؛ حافظا إن حدث به من حفظه ؛ حافظا بكتابه إن حدث من كتابه؛ اذا إشترك أهل الحفظ فى الحديث وافق حديثهم؛ بريا من أن يكون مدلسا: يحدث عمن لقي مالم يسمع منه ويحدث عن النبي (ص) ما يحدث الثقات خلافه عن النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدث حتي ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي (ص) أو إلى من انتهي به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني فى كل واحد منهم عما وصفت» .13
ثم جاء بعده عبدالله بن الزبير الحميدي (ت. 219 هـ.) صاحب الشافعي وأتي بتعريف للحديث الصحيح قريب من تعريف الشافعي 14 وجاء محمد بن يحيي الذهلي (ت. 252-258 هـ.) بعده وأتي بتعريف موجز15 قريب من تعريف ابن الصلاح الآتي ثم جاء ابنه يحيي بن محمد بن يحيي الذهلي (ت. بعد 260 هـ.) وأتي بتعريف قريب من تعريف أبيه16 ثم جاء الخطيب البغدادى(ت.463 هـ.) و أتى بتعريف آخر و هو
ثم جاء بعدهم بقرون ابن الصلاح (ت. 643هـ.) وأتي بتعريفه المشهور للحديث الصحيح وهو:
«الحديث الصحيح هو الحديث المسند الذى يتصل اسناده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللاً.»17
وعلى مر العصور، أصبح هذا، تعريفا نهائيا بحيث لم يؤلف أحد فى علوم الحديث بعده إلا تبعه فى ذلك دون أن يغير حرفا واحدا فضلا عن أن يطوره أو بهذبه أو يكمله.
وبمقارنة تعريف ابن الصلاح بتعريف الشافعي خاصة، نجد بوضوح أن التعريف الأخير –وإن كان متأخرًا عن تعريف الشافعي بقرون- لا يمثل تطورا، بل هو إلى التراجع أقرب، لأنه بمثابة الموجز لتعريف الشافعى.
وأما تعريف الشافعي فواضح أنه أكثر دقة وتفصيلا بالنسبة لتعريف ابن الصلاح.
فإذن، يمكن القول بأن حد الصحيح الذى صاغه ابن الصلاح ووافق عليه كل من جاء بعده ممن ألف فى علوم الحديث واستقر الأمر عليه؛ إنما هو فى الحقيقة صيغة رديئة لتعريف الشافعي.
الأمر الذى يكشف لنا مدي تأثير الشافعي فى تحديد شروط الصحة للأحاديث والأخبار عامة.
وهناك ملاحظة أخرى مهمة جدا، وهي أن الكتب المؤلفة فى علوم الحديث من عهد الشافعي إلى يومنا هذا – ويبلغ عددها مائتي مؤلف تقريبا- قد كتبت فى أغلبيتها الساحقة من قبل أهل الحديث والشافعية بنسبة 95% أو أكثر بحيث لا يوجد مؤلف حنفى أو مالكي أو حنبلي قد ألف كتابا فى علوم الحديث على طريقة مذهبهم إلا نادرا جدا؛ بل نراهم قد نهجوا منهج أهل الحديث والشافعية فيما ألفوه من كتب علوم الحديث وإن كانوا من الحنفية أو المالكية أو الحنبلية.
وباختصار، يمكن القول بأن حد الحديث الصحيح الذى أتفق عليه جمهورالعلماء قديما وحديثا هو فى الحقيقة من صنع الشافعى ، ممثلا أصحاب الحديث، لا متوسطا بينهم وبين أهل الرأي.
وبعد ما ثبت أن حد الحديث الصحيح المتفق عليه حاليا، هو فى حقيقته عبارة عن صيغة رديئة لتعريف الشافعى؛ ينبغي أن نتعرض لموضوع آخر وهو أن عمدة الشافعى فى تعريفه هي الإسناد فقط، لا عبرة فيه بنقد متون الأحاديث.
وهذا الأمر له أهميته فى تحديد نقطة الضعف فى هذا التعريف فإن الحديث يتشكل من«إسناد» و «متن» ولكن حصر شروط الصحة على الإسناد دون اعتبار للمتن، هو أمر فى غاية الخطورة وخطأ جسيم جدا. لأن الأصل فى تسمية الحديث هو «المتن» وليس الإسناد، لأن المتن «غاية» وأما الإسناد فهو «وسيلة» فقط . ومن أجل ذلك، فإن عدم اعتبار المتن غلط فاحش وأمر غير معقول، بل هو خطأ فى غاية الخطورة من حيث السلبية على الفكر الإسلامى المعاصر و القديم ، ومن أهمها وأخطرها وجود آلآف من الروايات فى المصادر الحديثية والتفسيرية والتاريخية وغير ذلك
– سوى ما فى كتب الموضوعات – لا يمكن قبولها فى ضوء العقل السليم ولا اعتبارها حديثا نبويا. و من جهة أخري، إن المؤلفات الإسلامية قديما وحديثا مشحونة بمثل هذه الروايات المردودة التي تجعل الكلام على باطل ، فكل نتائجه باطلة عدا عن الإساءة إلى سمعة الفكر الإسلامى والإسلام كدين عالمي وإلى سمعة المسلمين الحاملين لرسالة الله إلى الناس كافة، فضلا عن إضعاف مكانة العقيدة الإسلامية فى صفوف أهلها من المثقفين المعاصرين وبالتالي فإن هذه المؤلفات المشحونة بالموضوعات هي السبب الريئسي فى الجدليات التي جرت حول حجية السنة وصحة الأحاديث، وكل هذه المشكلات قد نشأت ولا تزال تنشأ، من إعراض المحدثين عن منهج النقد الداخلي بدراسة المتون ومعاداتهم الصارمة له.
وأما الذين آمنوا بضرورة وأهمية هذا المنهج قديما ، كانوا من أهل الرأي (أي الحنفية والمعتزلة ) وأما أهل الحديث بأجمعهم – وعلى رأسهم الشافعي- فقد أعرضوا عن نقد المتون إعراضا واضحا، بل انكروا الخوض فيه إنكارا شديدا وبذلك اغتروا بكثير من الأحاديث التي هى فى ظاهرها صحيحة من حيث الإسناد ولكن فى باطنها «العذاب» لأن معناها لا يمكن قبوله عقلا بحال، إما لمخالفته لصريح القرآن والسنة الصحيحة والمعروفة أيضا أو لمخالفتها لحقائق تاريخية أو لبديهيات العقل أو لغير ذلك من مباديء النقد الداخلي ، بل نجد بعض العلماء والمحدثين قد صححوا أحاديث لا يشك فى بطلانها عاقل و ما هو إلا لإلتزامهم بصحة الإسناد فقط وتجاهلهم ضرورة دراسة و نقد المتون كي لا تناقض صريح القرآن و السنن المتواترة وبديهيات العقل والحقائق التاريخية .

مسألة حجية خبر الآحاد
ولم يقف مشروع الإمام الشافعى عند هذا الحد ، بل تجاوزه إلى مجالات أوسع، ودليل ذلك طريقة الشافعى فى الإستدلال على حجية خبر الآحاد وأثرها البالغ على المصنفين فى هذا الموضوع مما جاء بعده. فإن الشافعى قد استدل بروايات كثيرة تفيد مجموعها أن خبر الأفراد فى عهد رسول الله (ص) كان يعتد به، ولم يتردد الصحابة فى قبوله ولم يشك فى نسبته إلى رسول الله بحجة أنه خبر الآحاد. ومعلوم أن جميع من كتب من أهل السنة – ومن المعتزلة أيضا- فى حجية خبر الآحاد لم يزيدوا على صنيع الشافعى ، لا أسلوبا ولا مضمونا، بل أكثر ما يذكرونه من الروايات فى معرض الإحتجاج على حجية خبر الآحاد لا يختلف عما ذكره الشافعى فى الرسالة، لا فرق فى ذلك بين القدماء وبين المعاصرين، ولا غرابة فى ذلك، لأن المحْدِثِين لم يضيفوا إلى ما كتبه القدماء حرفا واحدا، بل جميع ما كتبه المحْدِثون حول حجية السنة، كان عبارة عن إعادة ما قاله الأسلاف فقط وذلك لانهم ليسوا من أصحاب الفكر الإبداعي، بل هم إلى التقليد والنقل أقرب و من التمحيص بما وجدوا آبائهم عليه أبعد!.

إنكار الشافعي نسخ السنة بالقرآن
من العلوم أن النسخ من القضايا الرئيسية فى الدراسات القرآنية و فى علم أصول الفقه وهو قضية شائكة جدًا بحيث اضطربت أقوال العلماء فيه اضطرابًا شديدًا وحينما أنكر بعضهم وقوع النسخ فى القرآن كليا، نجد بعضًا آخر قد تساهل فيه لدرجة أن يعد أدني تخصيص لآيات أو تقييد لها، نسخًا.
والذى نريد أن نلفت النظر هنا أن الشافعي لم يتناول النسخ كموضوع من موضوعات علم الأصول وكما تناوله الأصوليون من وجهة نظر علمي بحت وانما ذكره فى الرسالة لعلاقته الوثيقة بمشروعه لتوسيع نطاق النصوص وتوطيد سلطتها. الأمر الذى جعل الشافعي وجه اهتمامه إلى مسألة العلاقة بين القرآن والسنة من حيث قضية النسخ.
وباختصار، والذي أكده الشافعي فى هذا الموضوع هو أن القرآن لا ينسخه إلا القرآن وكذلك السنة لا ينسخها إلا السنة وأما نسخ السنة بالقرآن أو عكسه فغير جائز عنده 18. ولكن الذى يهمنا هنا ليس إنكار الشافعي نسخ القرآن بالسنة لأنه أمر معقول ، ولأن السنة تأتي بعد القرآن من حيث المرجعية. بل الذى نريد لفت النظر إليه هو إنكاره نسخ السنة بالقرآن، إذ المفروض منه أن يوافق على أن ينسخ القرآن السنة، لأن القرآن له مرجعية ومكانة فى الدين تفوق مرجعية السنة ولأن القرآن أصل والسنة تابعة له.
وعلى الرغم من ذلك ، فإن الشافعي قد عارض على نسخ السنة بالقرآن معارضة شديدة وذلك لتيقنه بأنه إن وافق على هذا المبدأ قد يؤدي ذلك إلى إسقاط كثير من الأحاديث بحجة أن القرآن ناسخ لها .19 وهذا ما لا يريد الشافعي الوقوع فيه، فإن مشروعه يفرض عليه أن يوسع نطاق النصوص – ومنها الأحاديث- لا إسقاطها. و هذا من جهة. ومن جهة أخري ، معلوم أن الحنفية والمعتزلة من أهل الرأي كانوا يعتمدون فى النقد الداخلي (أي نقد المتون) للأحاديث على مبدأ عرض الأحاديث على القرآن لإستحالة مخالفة السنة لصريح القرآن فى نظرهم. 20 ولاشتراطهم موافقتها على القرآن لتصح وتكون حجة.
وهذا يدل على أن إنكار الشافعي نسخ السنة بالقرآن نابع من موقف جدلي أكثر من موقف علمي بحت ، لأنه لو كان موقفه موقفا علميا صرفا لما عارض على نسخ السنة بالقرآن غير أن تخوفه من أن يقوى يد أهل الرأى القائلين بعرض الأحاديث على القرآن ، قد أداه إلى القول بعدم جواز نسخ السنة بالقرآن ولقد ترك موقف الشافعي هذا من نسخ السنة بالقرآن آثارًا سلبية فى علم أصول الحديث حيث إن جمهور المحدثين تبنوا موقفا سلبيا ، بل معاديا أمام مبدأ عرض الأحاديث على القرآن و بالتالي تركوا تطبيقه حتي انكروه كما انكر الشافعى من قبل. الأمر الذى أدي إلي تسرب كثير من الأحاديث الباطلة والأساطير والإسرائليات إلى مصادرنا الإسلامية وبالتالي أدي ذلك إلي ظهور الخرافات والبدع والإنحرافات والضلالات التي استمدت مشروعيتها، بل قدسيتها (!) من مثل هذه الروايات!

ترتيب مصادر الفقه الإسلامي
بغض النظر عن الإختلافات والمناقشات حول مصادر الفقه الإسلامي فى المصنفات الأصولية ؛ يلاحظ أن المسلمين بشكل عام ، إذا تحدثوا عن مصادر التشريع ، فيرتبونها على النحو التالي:
القرآن و السنة والإجماع و القياس.
دون أن يشعروا خطورة هذا الترتيب، لأن ترتيب المصادر على هذا النحو، له صلته وخطورته الكبيرة أيضا بعقم الفكر الإسلامى المعاصر وجموده.
أما صدارة القرآن والسنة فى هذا الترتيب، فلا خلاف فى ذلك بين العلماء ولكن ترتيب الإجماع فى المرتبة الثالثة و ترتيب القياس فى المرتبة الرابعة حسب سلّم قيمي، ففيه نظر. لأن تقديم الإجماع على القياس ترتيب غير منطقي وواقعي ، والصحيح عندنا أن يحوز «القياس» بالمرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة لأنه وسيلة من وسائل الإجتهاد – ولكن ليس وسيلة وحيدة للاجتهاد كما ادعاه الشالفعي وكما سنتناوله بالبحث بعد قليل – والذى يلفت النظر هو أن هذا الترتيب نفس ما قرره الشافعى فى الرسالة، لانه قال فيها:
«ولم يجعل الله لإحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم من مضي قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها.»21
وإذا كان الإجماع هو إتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية فى عصر من العصور بعد النبي(ص) على حكم شرعي فى أمر من الأمور العملية 22 فلا بد من أن يتقدم «الاجتهاد» – وهو عبارة عن القياس فقط عند الشافعي- على الإجماع ، لأنه عبارة عن إتفاق إجتهادات المجتهدين. وإذا كان كذلك فكيف يتصور وجود إجماع بلا إجتهادات قبله؟ بل الصحيح منطقيا وواقعيا أنه لا بد من إجتهادات مستمرة حتي تتكون إجماعات فى مسائل مختلفة – وكان الصحابة يجتهدون أمام المستجدات و فى المسائل التي تعرض لهم وقد كان عمر رضي الله عنه مثلا ، يجمعهم ويستشيرهم ويبادلهم الرأي. فإذا أجمعوا على أُمر معين سارت عليه سياسته، واذا اختلفوا تدارسوا حتي ينتهوا إلي أمر تقره جماعة الفقهاء منهم وبذلك يكون الأمر مجمعا عليه.23
كما يلاحظ مما سبق أن الإجماع تابع للإجتهاد ونتيجة ناجمة عنه، لا العكس. وإذا درسنا تاريخ الفقه الإسلامي من هذا المنظور نجد أن البيئات العلمية المحافظة – أو جمهور أهل السنة إن صح التعبير – قد عكسوا الأمر وجعلوا الإجتهاد تابعا للإجماع ، فإذا وجدوا فى مسألة إجماعا انعدمت حاجتهم إلى الإجتهاد فيها. ولكن آثار هذا التغيير فى الترتيب الواقعي المنطقي والعضوي بين الإجتهاد والإجماع، كانت سيئة و سلبية جدا حيث أدي ذلك إلى تقلص مجال الإجتهاد وباتالي ترك فى نفوس العلماء المؤهلين للإجتهاد أثرا سلبيا؛ فبدلا من تشجيعهم على الإجتهاد ضعّفت معنوياتهم وقمعت تحركاتهم بالقوة أحيانا وبلغ الأمر بالمسلمين فى القرون الأخيرة إلى أن يتركوا الإجتهاد مطلقا كما هو الوضع السائد فى الفكر الإسلامى المعاصر.
وأما القياس فلا يظن بالشافعى أنه اختاره من بين وسائل الإجتهاد عشوائيا بل كان إختيارا منه عن وعي وقصد ، مستهدفا ربط العقل بالنصوص – لأنه لا قياس إلا بالنص و على النص – أو بالأحري إخضاع العقل للنصوص وتحديد مجاله فى نظاق النصوص الشرعية فقط، نظرا لأن وسائل الإجتهاد الأخري كالإستحسان والمصلحة المرسلة والإستصحاب والعرف وغير ذلك، فللعقل فيها مجال أوسع وحرية أكثر بالنسبة للقياس . ومن جهة أخري تتيح هذه الوسائل الأخري –غير القياس- للمجتهد حرية أكثر بالنسبة للقياس وتكسب الدراسات الفقهية مرونة وإنما وقع اختيار الشافعى على القياس تجنبا من استعمال العقل بحرية تامة وبصفة أنها أفضل وسيلة من وسائل الإجتهاد لإخضاع العقل لسلطة النصوص.
ولتقديم الإجماع على القياس آثار سلبية أخري ، أدت إلى فقدان الخلف للثقة بأنفسهم أمام سلطة إجماع السلف ولم يتجاسروا على إظهار رأي يخالف إجماعهم وبالتالي أصبح العلماء يوجهون انظارهم قبل أي محاولة للإجتهاد إلى الوراء ، بحثا عن إجماع سابق ، بدلا من أن يجتهدوا ويشكلوا إجماع عصرهم من بعد الدراسة والإجتهاد .
والخلاصة ، بينما كان السلف يجتهدون ويكوّنون إجماعهم، صار الخلف يخضعون لسلطة إجماعات سابقة أو يتعبير آخر؛ حينما كان السلف يكوّن التراث الفقهي، أصبح التراث يكون الخلف الجامد بفضل سلطة الإجماع التي هي نتيجة هذا الترتيب غير الواقعي وغير المنظقي الذى قدمه الشافعى لأول مرة وفتح به الطريق لشيوعه بين العلماء من بعده.

هل نجح الشافعى فى الإلتزام بالأصول والمبادىء التي وضعها فى الرسالة أم أنه
وقع فى تناقض ذاتي فيها؟
-نقد موجز لكتاب „الرسالة“-
لقد أثبتت الدراسات المعاصرة حول مشروع الشافعى بأن له أثرا بالغا فى تكون الفكر السني فى مجالات مختلفة، أهمها الفقه وأصول الحديث وأصول الفقه وعلم الكلام والتصوف. والذى اكتشفته الدراسات المعاصرة من هذا التأثير أشبه بالقسم الذى يعلو سطح البحر من جبل جليدي وأما القسم الذى مغوص تحته فهو أكبر بكثير مما يظهر لنا ولذلك يمكن القول بأن الدور الذى لعبه الشافعى فى مجالات مختلفة من الفكر السني يحتاج إلى دراسات أكثر شمولا وعمقا ولكنه لم يحظ باهتمام العلماء والباحثين المعاصرين فى العالم الإسلامى كما يليق بأهميته فضلا من أن يتناولوه بالنقد العلمي. ويعجب الإنسان من أنه لا يوجد كتاب أو بحث –لا فى القديم ولا فى الحديث- فى نقد كتاب „الرسالة“ التي هي بمثابة „البيان الرسمي“ لمشروعه. فإن هذه الفجوة فى الدراسات حول مشروع الشافعى جعلتنا نسأل هذا السؤال:
«أ كل ما فى الرسالة من قول و رأي واقتراح وحجج واستدلالات، صحيحة منسجمة ومتناسقة مع بعضها بعض بحيث لا مجال للنقد فيها، أم كيف؟» ولذلك أصبح من الضروري أن نلقي بعض الضوء على هذا الجانب، ولو بشكل موجز، بعد مضي اثني عشر قرنا على تأليفه فإن ما نقدمه هنا هو فى الحقيقة مختصر لبحث مستقل لم ينشر بعد.
قد سبق أن أشرنا إلى أن الشافعى أولي جل اهتمامه إلى توطيد سلطة الأحاديث برفعها إلى المرتبة الثانية بعد القرآن، بل باعتبارها جزءا عضويا من القرآن الكريم يترافق معه، ومن أجل ذلك قام بتحديد شروط لصحة الأحاديث لأول مرة ـ حسب علمنا حتي الآن ـ فجاز أن نصفه بأنه أول مصنف حول مفهوم الحديث الصحيح على طريقة أصحاب الحديث ـ لا على طريقة أهل الرأى ـ وأول من قام بتعريف الحديث الصحيح فى تاريخ العلوم الإسلامية.
ومن الطبيعي والمنطقي أن يتوقع منه ـ قبل غيره ـ التقيد بهذه الشروط التي اشترطها لصحة الأحاديث والأخبار. ومن هذا المنطلق قمنا بعمل إحصائي لأحاديث الرسالة وآثارها فوجدنا أنه ذكر فيها أكثر من (200) حديث أو أثر،24 منها (125) رواية مسندة و(96) رواية دون إسناد. وأما الروايات التي ليس لها إسناد: نجد(3) روايات لا أصل لها فى المصادر الأخري و(2) منها بصفة „موضوع“25 فالنتيجة واضحة تماما وفى غنية عن التعليق والبيان:
أولاً: لم يتقيد الشافعى نفسه بالشروط التي وضعها هو لصحة الأحاديث، لأنه ذكر فى الرسالة أحاديث وآثار دون إسناد، بل احتج بمثل هذه الروايات. وبذلك أصبح هو أول من أخل بهذه الشروط. ثم ما ذكره بصفة مسندة، فبعضها (أي 8 روايات) منقطعة وبعضها (أي 3 روايات) فيها راوٍ مبهم وبهذا أخل الشافعى بتلك الشروط مرة أخري.
وفى هذا دليل على بطلان ما ذهب اليه الأستاذ ماجد خدوري بأن الأحاديث بلا إسناد أو بإسناد منقطع قليلية جدا فى الرسالة و ليست بكثيرة26 مما يدل على أنه لم يدرس الرسالة دراسة وافية ولم يقم بعمل احصائي دقيق بل اكتفى بنظرة عابرة و سطحية.
ثانيًا: احتجاجه بأحاديث لا أصل لها فى المصادر وكذلك احتجاجه بأحاديث موضوعة – وإن كانت قليلة- تناقض واضح جليّ.
ولا شك أن دور الشافعى الرائد لا ينحصر على ما سبق من الموضوعات، بل له الريادة أيضا فى الإحتجاج ببعض الروايات التي لها أثر كبير فى تراثنا الفكري – العلمي، ومنها حديث „الأريكة“.

حديث الأريكة
روي الشالفعى فى الرسالة حديثا قال فيه رسول الله (ص) „لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه“27
فإن أقدم كتاب ذكر فيه هذا الحديث فى معرض الإحتجاج ضد من يريد الإكتفاء بالقرآن فقط هو الرسالة – وجماع العلم له – ومن هنا نستطيع أن نقول بأن الشافعى هو أول من احتج بهذا الحديث دفاعا عن حجية الأحاديث، وله الريادة فى هذا الأمر أيضا، لأن هذا الحديث منذ عهد الشافعى إلى يومنا هذا قد أصبح من الأدلة الرئيسية على من يريد الإكتفاء بالقرآن فقط ولذلك لا تجد كتابا حول حجية السنة إلا وقد ذكر فيه هذا الحديث.
وبالرغم من أهمية حديث الأريكة فإنه حديث مضطرب متنا وإسنادا ولا يمكن أن يكون صحيحا، غير أنه لم يتنبه لضعفه، لا الشافعي ولا أحمد محمد شاكر – بعد مرور اثني عشر قرنا من عهد الشافعى- ولا المحدثون الذين عاشوا خلال هذه الفترة الطويلة، فذكروا هذا الحديث فى مؤلفاتهم وشاءت الأقدار أن يتنبه لضعف هذا الحديث المشهور، زميلنا د. محمد أمين أوزأفشار حيث قام ببحث قيم، جمع فيه طرق هذا الحديث ودرس حال رواته ومتونه وتوصل الى نتيجة أن هذا الحديث لا يصلح للإحتجاج به ، بل ترك الاحتجاج به أولي.
وبهذه المناسبة نود أن نذكر المسلمين المحافظين بأن التقدم الزمني لا يعني التقدم العلمي، بل الله سبحانه وتعالي قادر على أن يخلق من أبناء هذه الأمة من هو أفطن وأقدر من سلفهم فى الإطلاع على المطاعن فى الأحاديث والأثار التي ظاهرها الصحة. الأمر الذى يزيدنا ثقة بأنفسانا ويرفع معنويتنا فى مقاومة التقليد الأعمى للسلف ولما أنجزوه من أعمال علمية.
وفى ختام هذا النقد الموجز لمشروع الإمام الشافعى ولكتابه „الرسالة“ التي وضع فيها معالم مشروعه، نقول:
1- ليس الإمام الشافعى إماما من أئمة المذاهب الآربعة فحسب، بل هو صاحب مشروع ذي أثر بالغ ممتد إلى يومنا هذا، فى الفكر السني.
2- كان مشروعه عبارة عن تصييغ مذهب أصحاب الحديث وتطويره، ومن أجل ذلك لقب بـ „ناصر الحديث“ . وأما الحكاية المشهورة حول توسط الشافعى بين أهل الحديث وأهل الرأي فهو غير صحيح وغير مطابق للواقع.
3- هذا الأثر الممتد إلى القرن الخامس عشر الهجري، يبدو أنه سلبي أكثر من أن يكون إيجابيا، بحيث إن أكثر المشكلات التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم فى مجالات التصور الديني ومفهوم „النص“ وطرق التعامل معه وخاصة فيما يتعلق بالنصوص الحديثية.
4- قد حظي مفهوم الحديث الصحيح بالنصيب الأكبر من سلبيات مشروع الشافعى لأن الشروط التي اشترطها لصحة الأحاديث، هي فى الحقيقة نفس الشروط التي تبناها المحدثون عبر القرون الطويلة بحيث أصبح تعريفا وحيدا متفقا عليه عند المحدثين – و ليس عند الحنفية والمعتزلة من أهل الرأي!- والجانب السلبي فى هذا التعريف واضح جدا كما سبقت الإشارة إليه.
5- إن تسرب الروايات الباطلة فى البنية الفكرية للإمة ــاغترارا بصحة أسانيدها ــ قد أدي إلى مفاهيم وآراء خاطئة وخطرة حول الدين والقرآن والسنة والفقه والتفسير وعلم الكلام والتصوف وغير ذلك من المجالات، فأدي ذلك أيضًا إلى غموض صورة الإسلام والمسلمين حتى كاد بهم الأمر أن يخلقوا دينا آخر غير دين الله وهو فى الحقيقة – على حد تعبير الأستاذ على شريعتي- دين “ ضد الدين“ أي الاسلام.
ولا شك أن السلبيات لا تنحصر فيما ذكرنا من الموضوعات، بل هي جدير بالبحوث والدراسات الشاملة والعميقة كي تعرف أبعاد هذه السلبيات الحقيقية.
* * *
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الإمام الشافعى ليس إلا شخصية رمزية للنزعة المحافظة فى الدين وللجمود الفكري فى تراثنا الإسلامى ، لأن هذه السلبيات التي تعاني منها الأمة الإسلامية اليوم هي فى الحقيقة نتيجة لسلسلة من التطورات التي مر بها المسلمون عبر التارسخ وللعوامل المختلفة التي لعبت دورا مهما فى تكوين تصور غير سليم فى مجال الدين والعلم والفكر.
وحتي ندرك خطورة النظرة التي كانت يمثلها الشافعي ويدافع عنها، نذكر الأمرين الآتيين:
1- إن سلطة النصوص وإقرارها على ظواهرها، أمر له صلته بظاهرة التطرف المعاصرة، لأن المتطرفين كثيرا ما يقرؤون النصوص (القرآن اوالأحاديث* قراءة تجزيئية، لا قرائة شمولية وموضوعية، وتمسكون أيضا بظواهر الآيات والأحاديث ولا يتجوازون ما وراء الألفاظ، ولا يعتبرون مقاصد الشريعة وبذلك كله سهل على الفكر المتطرف أن يستمد مشروعية قيامه من النصوص. وأما كراهتهم لاستخدام العقل فى مجال الدين- كما كان يكره الشافعى استخدامه –فتزيد المعضلة استفحالا ضارا.
2- من المعلوم أن المشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية كثيرة جدا، منها – مثلا- مسألة حرية الفكر (نود أن نذكر هنا أن عقوبة المرتد عن الاسلام فى الفقه الاسلام هو القتل) وحقوق المرأة ومن أهمها حقوقها السياسة (لأن المرأة فى الفقه الإسلامى السني لا تجوز رئاستها فى دولة إسلامية ولا توظيفها فى مجال القضاء مثلا) وعقوبة الزنا –الرجم- ومشكلة تعليم البنات وغيرها من المشكلات. فلنأخذ مثلا مشكلة حقوق المرأة المسلمة السياسية: فإذا نظرنا إلى مكانة المرأة فى المجتعات الإسلامية قديما وحديثا نجد أنها قد حرمت من حقوقها التي منحها الله فى القرآن الكريم وكلنا نعلم أنها محرومة حتي اليوم من حق الترشّح لرئاسة الدولة أو رئاسة الوزاراء أو أن تكون وزيرة أو نائبة فى مجلس الأمة. واذا درسنا الأمر، تبين لنا أن السبب الرئيسى فى حرمان المرأة من حقوقها السياسية عبر القرون هو ترداد حديث ضعيف جدا وهو:
„لا يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة.“
وهذا الحديث مع مافيه من الضعف الشديد، فإن بعض العلماء لا يترددون فى الإحتجاج به واصبح هذا الحديث عندهم من أقوي الأدلة المعتمدة فى حرمان المرأة من حقوقها السياسية.
أليس هذا من أغرب الغرائب: حديث ضعيف جدا إعتبره العلماء حجة لإقصاء المرأة المسلمة بموجبه من ميادين السياسة والإدارة والقضاء طيلة القرون الماضية وكل ذلك ليس إلا بسبب ترك نقد المتون وحصر الجهد كلها فى صحة الإسناد دون الإلتفات لنقد المتون.

وختامًا:
فإذا وضعنا مشروع الإمام الشافعى فى الميزان نري أن كفة السلبيات تترجح فيه على كفة الإيجابيات ولسنا نعني بذلك أن قصد الشافعى كان إساءة للأمة الإسلامية، حاشاه من ذلك ولكن التجربة التاريخية التي عاشها المسلمون منذ طرح الشافعى لآراءه قد أثبتت أن توقعات الشافعى من مشروعه لم تتحقق، بل غلبت سلبياته على ايجابياته دون ارادة منه. ونحن لسا بصدد محاكمة الشافعى أمام التاريخ ولكن المقصود هنا بيان واقع فكري وتاريخي لمحاولة للكشف عن أسباب التراجع الفكري والعلمي الراهن. ونؤمن إيمانًا قويًا بأن النقد الذاتي للتراث الإسلامي هو أمر ضروري وحيوي كي نعرف نقاط ضعفنا فكريا ومنهجيا؛ ولنتدارك الأخطاء ونحول دون تكرارَها مطبقين عمليا الحديث النبوي المعروف :
„لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين“
وان لم نفعل هذا، فلنعلم أن التاريخ سينتقم منا انتقاما أشد مما كان فى الماضي.
والسلام عليكم ورحمد الله وبركاته.

الهوامش
1- الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد. 2\68؛الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10\47؛ وانظر: د. محمد عابد الجابرى، تكوين العقل العربي (بيروت 1991). ص، 115-123.
2- انظر: Wael B. Hallaq, Was al-Safi’î The Master Architect of Islamic Jurisprudence? (International Journal of Middle East Studies, Volume: 25(1993=, p.p.(587-605).

د. نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعى وتأسيس اليديولوجية الوسطية (القاهرة 1992).
بارغم من هذه الدراسات الحديثة المذكورة، يلاحظ أن بعض الباحثين قد غفل عنها أو تجاهل بها واستمر فى ترداد القول بأن الشافعى يعد – بحق- الواضع الأول لقواعد علم الأصول وأن له الريادة فى صياغة منهجية ، تجمع بين العقل والنقل وتزاوج بين الرأي والأثر (انظر: د. قطب مصطفى ساتو، المتكلمون وأصول الفقه – قراءة فى جدلية العلاقة بين علمى الأصول والكلام – مجلة إسلامية المعرفة (ماليزيا) ربيع الأول 1418 هـ.\يوليو 1998. ؛ص:41،43).
ومن جهة أخري، فإن هذا البحث يمكن اعتباره كآخر مثال لما تدعيه النزعة المحافظة من أن الشافعى قد جمع بين العقل والنقل وبذلك توسط بين أهل الرأي وأهل الحديث وانه هو الواضع لقواعد علم الأصول.
3- ص؛13.
4- الرسالة، ص:78.
5- حجية السنة، ص295 :-297.
6- هو الذى قال عنه الشافعى: „ان الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان فى التفسير…“ (الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 13\161).
7- الوجوه والنظائر (استانبول، 1993) ص: 28-29.
8- محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن (IIIT, Herndon, 1992) ص: 102.
9- الرسالة، ص: 358.
10- الرسالة، ص: 359. وانظر أيضًا، ص: 39، رقم: 120.
11- د. نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعى….، ص: 94-95.
12 ـ المصدر السابق، ص: 102.
12- الرسالة، ص: 370-372.
13- الخطيب البغدادي، الكافية فى علم الرواية( مطبعة السعادة، مصر، ؟) ص: 63.
14- المصدر السابق، ص: 56.
15- المصدر السابق، ص: 56.
16- ابن الصلاح، علوم الحديث (حلب، 1966)، ص: 10.
17- الرسالة، ص:233-234، رقم: 647-652 وانظر أيضًا، ص: 212، رقم572: ، ص 222 ، رقم: 609.
18- المصدر السابق 234، رقم: 652.
19- وهو قول الشافعى أيضًا: „ويعلمون أن اتباع أمره طاعة الله، وأن سنته تبع لكتاب الله فيما انزل وانها لا تخالف كتاب الله أبدًا (الرسالة ص: 146، رقم: 419) ولكنه وقع فى تناقض بدعواه أن القرآن لا ينسخ السنة بحال لأن السنة إن كانت تابعة للقرآن حيث لا تخالفه أبدًا، فما المانع من أن نرد أحاديث تخالف صريح القرآن بحيث لا تقبل التأويل؟)
20- الرسالة، ص: 508، رقم: 1468.
21- محمد ابو رهرة، أصول الفقه (القاهرة،؟) ص: 198.
22- المصدر السابق.
23- ذكر الأستاذ ماجد خدوري أن عدد أحاديث وآثار الرسالة أكثر من مائة رواية، وهو خطأ واضح ولعله اعتبر الروايات المسندة وأهمل الروايات التي لا إسناد لها وهو خطأ ايضا (انظر : Majid Khadduri, Islamic Jurisprudence –Shafi’î’s Risâla –Baltimore, 1962, p.26).
24- أنظر الروايات المسندة فى الرسالة، ص: 29، 50، 51،67، 75،87 ، 89، 116، 117، 118، 124، 127، 129، 134، 160، 162، 168، 171، 178، 179، 180، 183، 184، 208، 225، 235، 236، 237، 244، 247، 250، 251، 252، 267، 273، 276، 277، 278، 282، 283، 292، 297، 298، 302، 303، 306، 307، 309، 313، 314، 316، 317، 322، 324، 325، 329، 330، 331، 333، 335، 336، 362، 394، 396، 397، 401، 403، 440، 406، 408، 410، 426، 430، 434، 438، 439، 442، 443، 445، 446، 467، 485، 494، 495، 544، 574.
أنظر الروايات غير المسندة؛ ص: 29، 58، 65، 66، 67، 68، 71، 79، 83، 113، 119، 126، 128، 131، 139، 143، 148، 159، 164، 165، 169، 175، 177، 178، 189، 224، 227، 245، 259، 263، 275، 277، 288، 289، 290، 291، 305، 316، 324، 326، 328، 329، 347، 350، 368، 414، 415، 417، 418، 445، 447، 514، 517، 519، 523، 528، 547، 551، 552، 562، 564، 567، 573، 574، 577، 586، 589، 591.
أنظر الروايات المرسلة؛ ص: 253، 467، 474، 485.
أنظر الروايات المنقطعة، ص: 435، 453، 457.
أنظر الروايات التي فى اسنادها راوٍ مبهم، ص: 244، 448، 450.
انظر الروايات التي لا اصل لها فى المصادر، ص: 15، 397، 417.
انظر الروايات الموضوعة فى الرسالة، ص: 224، 286.
25- A few other traditions either are related without authority or are cited with an incomplete list of authorities (Islamic Jurisprudence; p. 27);….. he himself cites in the Risâla several traditions without isnâd….” (p.31)
26- الرسالة، ص: 89-90، رقم: 295-296.