BEGIN TYPING YOUR SEARCH ABOVE AND PRESS RETURN TO SEARCH. PRESS ESC TO CANCEL

السياسة التركية و مفهوم المقاومة

أين السياسة التركية من المقاومة مفهوما و ممارسة؟
و إن كان غياب مفهوم المقاومة عن السياسية التركية بفضل سياسة الدولة التبعية للغرب و إيديولوجيتها الإستغرابية( إنضمام تركيا إلى حلف الناتو و رغبتها فى الإنضمام إلى الإتحاد الأوربى و علاقتها الوثيقة بالدول المستعمرة التى لعبت دورا رئيسا فى إسقاط الدولة العثمانية و احتلال أراضيها و تمزيقها بشكل الدويلات لا وزن لها ) إلا أن جذرها تعود إلى التاريخ لأن تركيا وريثة إسلام الدولة العلية العثمانية و هو إسلام الدولة على أساس أن الدين تابع للدولة ومنصب شيخ الاسلام من المناصب الرسمية التابعة للسلطان و تغلب على هذا الإسلام سمة الفردية(الأركان الخمسة :التوحيد ، الصلاة ، الصوم ، الحج و الزكاة أو الواجبات الفردية دون مساس بواجبات الدولة السياسية و الإقتصادية و القضائية و الإجتماعية) . و هذا النوع من الاسلام لم يتأثر به المؤمنون فقط بل القطاعات العلمانية و القومية و الكمالية و اليسارية أيضا تأثروا به لأنه جزء من ثقافة المجتمع الذى ينتمون اليه و لذلك لا غرابة فى غياب أو ندرة استعمال مفهوم المقاومة فى نصوص رسمية للأحزاب السياسية بتوجهاتها الثلاثة (الاسلامية ، القومية العلمانية ، العلمانية اليسارية الكمالية) التى تلعب دورا فى تحديد مسار الأحداث و التطورات السياسية وكذلك الأمر بالنسبة لتصريحات زعمائها حول قضايا سياسية ، داخلية كانت أم خارجية و أما الأحزاب السياسية الصغيرة التى لا وزن لها فى السياسة التركية هى أقرب الى أحزاب على الورقة فقط وأكثرها يسارية أو بيئية . فى مثل هذه الأحزاب الصغيرة يحتل مفهوم المقاومة مكانة مركزية و خاصة فيما يتعلق بالرأسمالية العالمية و الاستعمار الجديد و الليبرالية الجديدة و العولمة و لكن ليس هناك أية حزب اسلامى و لو من أصغر الأحزاب ، يعتمد على مفهوم المقاومة و يضعه فى مركز برنامجه و خطابه و ممارساته السياسية باستثناء حزب السعادة فيلاحظ فيه الاهتمام بمفهوم المقاومة فى الآونة الأخيرة و لكن بعد سقوطه من الحكم وخيبة أمله فى الانتخابات الأخيرة . وأما الأحزاب الرئيسة( حزب العدالة و التنمية و حزب الحركة القومية|الوطنية و حزب الشعب الجمهورى ) فانها أحزاب سياسية تعتمد على الخطاب و الممارسات البرغماتية دون فكر سياسى أصيل و هى بعيدة كل البعد عن الفلسفة السياسية و الفكر السياسى و لا غرابة فى ذلك أيضا نظرا لضعف الفكر الابداعى بشكل عام فى جميع مؤسسات تركيا بما فيها الجامعات.و من أجل هذه البرغماتية و الخطابية أصبحت هذه الأحزاب متقاربة و متشابهة فى برامجها و أهدافها و حلولها الى حد كبير
مكانة المقاومة فى اللغة السياسية التركية

و من الطبيعى أن يأتى مفهوم المقاومة فى الترتيب الأخير فى قائمة مفردات اللغة السياسية التركية و يلاحظ تزايد فى استعماله فى حالات طارئة فقط و لكن ندرة المفهوم لا يعنى ندرة استعمال لفظ المقاومة دائما لأن المقاومة فى اللغة السياسية التركية لفظة تستعمل غالبا بمعنى المعارضة ضد الأحزاب المنافسة و الايديولوجيات المعارضة مثل المقاومة العلمانية أو الكمالية أمام ممارسات و سياسات اسلاموية للحزب الحاكم أو مقاومة نقابات العمال اليسارية لقرارات الحكومة أو مقاومة المحجبات ضد ممارسات منع الاحتجاب فى الجامعات أو أثناء عملهن كموظفات حتى كنائبات فى البرلمان و وزيرة فى الحكومة.و لذلك ينبغى الانتباه الى هذا الأمر لئلا يلتبس علينا هذان الاستعمالان و أما لفظة المقاومة الدالة على مفهوم اسلامى أو فلسفى شامل لجميع مجالات الحياة و ممارسات الحياة اليومية فنادرة جدا فى اللغة السياسية التركية .

مفهوم المقاومة فى برامج الأحزاب السياسية

و كذلك الأمر بالنسبة لبرامج الأحزاب السياسية الرئيسة فانها خالية عن مفهوم المقاومة بكل ما لكلمة المقاومة من معنى و على رأسها المقاومة لكل التطورات ضد الانسان و البشرية وكوكبنا ، بدء من الاستعمار و الاحتلال و التدمير و مرورا بالرأسمالية الشرسة و النمط الاستهلاكى و الأسلحة النووية و وصولا الى توزيع الدخل بشكل غير عادل على مستويات شعبية و محلية و قطرية و عالمية و المجاعة و الأمراض و البطالة و الحرمان و التلف و توسع الهوة بين الطبقات الفقيرة و الغنية و بين الدول الغنية المتقدمة و الدول الفقيرة المتخلفة . المقاومة بكل هذه المعانى و الأبعاد و ان كانت تنبغى أن تكون من اهتمامات الأحزاب الأولية الا أنها فى الواقع تشكل نقطة عمياء فى برامج الأحزاب الرسمية المعلنة مع أنها فى الحقيقة خارطة طريق لتحديد مسار السياسة التركية و أما الزعماء و رؤساء الأحزاب فانهم يرون أنفسهم سواقين مؤهلين لقيادة حافلة المجتمع و لكن هل من الممكن قيادة حافلة بشكل سليم مع الغفلة عن النقطة العمياء فى مرآة الحافلة؟

ممارسات الأحزاب و الحكومات التركية من منظور المقاومة:

فى مجال السياسة الخارجية و العلاقات الدولية
كما أشرنا قبل قليل أن لفظة المقاومة فى السياسة التركية مستعملة بعيدة عن المعنى الحقيقى لها و فى نطاق ضيق جدا ، ضمن التطورات الداخلية دون الخارجية و ذلك لأمرين أساسيين ، أولهما عدم وجود احتلال عسكرى مباشر و ثانيهما طبيعة السياسة التركية الدولية و هى سياسة تبعية للغرب سياسيا و اقتصاديا و عسكريا كما هو واضح و جلى فى اتفاق الأحزاب الرئيسة على تبنى مشروع الانضمام الى الاتحاد الأوربى كمشروع الدولة و حرص الحكومة الحالية على تحقيق هذا الهدف المنشود خلاف أحزاب الرأى الوطنى/القومى التى تدعو الى الاتحاد الاسلامى على طراز الاتحاد الاوربى و تعارض على الانضمام الى الاتحاد الأوربى واصفا اياه بأنه نادى مسيحى و كذلك الأمر بالنسبة للعلاقات السياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية و اسرائيل ولا خلاف بين الأحزاب الرئيسة فى حتمية هذه العلاقات التبعية حتى حزب العدالة و التنمية الذى يظنه الكثير حزبا اسلاميا اغترارا ببعض ممارسات كوادر الحزب الاسلامية فى حياتهم اليومية الفردية و أما التطورات التى تبدو و كأنها تعارض السياسات التبعية فانها تطورات نادرة و استثنائية ضمن اطار مسموح لها من قبل مراكز القوى الغربية فليست تطورات ناشئة من اتخاذ مواقف حاسمة و مستقلة .

فى مجال الصناعة و التجارة و الانتاج و الاستهلاك و العلاقات الاقتصادية داخليا و اقليميا و عالميا
لنأخذ فكرة عن السياسات المتبعة فى المجالات الاقتصادية يكفى الاشارة الى أن تركيا أصبح بلدا يستورد قمحا و بعض المواد الغذائية الأساسية بعد ما كانت من الدول السبعة التى تتمتع بالاكتفاء الذاتى فى العالم . أضف الى ذلك نسبة العلاقات التجارية مع العالم الغربى (% 70_80)و العالم الاسلامى (% 20_30) فانها ذات دلالة قوية على طبيعة السياسات الاقتصادية المتبعة فى تركيا . وأما المؤسسات الاقتصادية الدولية المستعمرة مثل البنك الدولى و أشباهه فان جميع الأحزاب السياسية الرئيسة متفقون على التعامل معها و الموالات لها ، علما بأن هذه العلاقة التبعية و الخضوع أمام مراكز القوى الاقتصادية العالمية تحتمت بسبب السياسات الاقتصادية الشعبية المعتمدة على الاستقراض المستمر من مثل هذه المؤسسات الدولية المستعمرة . و أما مواقف الأحزاب من العولمة الاقتصادية و الليبرالية الجديدة و اقتصاد السوق الحر و التخلى عن التأميم و تبنى مبدأ الخصخصة و ثقافة الاستهلاك و ما الى ذلك من الممارسات التى تروجها القوى العالمية المستعمرة ، بل و تمارس الضغط على الدول المتخلفة لتبنيها كسياسة الدولة ، فلا فرق بين هذه الأحزاب فى الموافقة عليها و الخضوع لها و الاستسلام للرأسمالية و أى حزب يحاول تغيير هذا الوضع فعاقبته عاقبة نجم الدين أربكان الذى أسقطت حكومته لعدم خضوعه لمثل هذه الضغوطات و لمحاولته فى سبيل الاستقلال الاقتصادى و تأسيسه ل(مجموعة الدول الثمانى النامية الاسلامية D 8) مقابل ( الدول السبع الصناعية المتقدمة) . و أخيرا نود أن نلفت أنظاركم الى أن سياسة الاقتصاد تشكل أضعف نقطة فى برامج الأحزاب الرئيسة بتوجهاتها الثلاثة : الاسلامى ، و القومى و اليسارى ، من منظور المقاومة بغض النظر عن صحة هذه التسميات الثلاث لأيديولوجيات هذه الأحزاب .

فى مجال الثقافة و العلم و الفكر و الفن و الاعلام

لندرك حجم و عمق الأثر الغربى على المجتمع التركى و أحزابه السياسية كجزء منه ، يكفى النظر الى الشارع(عالم الصحافة و الاعلام المرئى و عالم الفن و عالم الكتب و المجلات و أسماء المحلات و الشركات التجارية و الاعلانات و الولع بماركات أجنبية و تأليه النجوم السينمائية و الرياضية الغربية و استيلاء الأفلام الغربية) لأن المتتبع للتطورات فى هذه المجالات يدرك بسهولة أن الثقافة الغربية و العلم الغربى و الفكر الغربى و الاعلام الغربى و الفنون الغربية (منها الموسيقا و السينما و المسرحية مثلا) هى السائدة فى المجتمع و المفضلة عند الأحزاب الرئيسة حتى الاسلامى منه على حد تعبير البعض .
فى مجال الدفاع والاتفاقيات العسكرية ( عضوية حلف الناتو و العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة الامريكية و اسرائيل )
لا شك أن غياب المقاومة مفهوما و ممارسة فى مجال الدفاع و الاتفاقيات العسكرية أمر فى غاية الوضوح لأن الأحزاب السياسية لا يمكن أن ترفع أصواتها ضد توجهات الجيش التركى العسكرية و السياسية فضلا من أن تعارض عضوية حلف الناتو الذى أصبح يهدد أمن الشرق الأوسط خاصة و أمن العالم الاسلامى عامة و أمن جميع الدول المعارضة للاستعمار الجديد أيضا و ذلك لأنه حلف عسكرى لحماية مصالح الدول المستعمرة وليس حلفا عسكريا ضد التوسع الروسى كما يصوره أعضاؤه و مؤيدوه و هناك أمور أخرى تدل على غياب المقاومة و سيادة التبعية و الخضوع ومن أهمها تواجد قوات أمريكية فى تركيا و استخدامها عددا من القواعد العسكرية و على رأسها قاعدة انجيرليك لعملياتها العسكرية الموجهة للعراق و أفغانستان و هناك أمر آخر جد خطير و هو وجود أسلحة نووية يتراوح عددها بين 40 الى 80 صاروخ ذات رؤوس نووية و هناك محاولة لنقل أكثر من 250 رؤوس نووية من بعض الدول الغربية الى تركيا . كل هذه الأسلحة و القواعد العسكرية تم استخدامها فى احتلال العراق و لا زال تتم عمليات تدريبية فى قاعدة قونيا العسكرية بالتعاون مع الجيش الاسرائيلى ، علما بأن الوضع لم يتغير لا فى الحكومات اليسارية و لا القومية و الاسلامية و لا المحافظة كما هو الأمر بالنسبة للحزب الحاكم .

وأخيرا :
مدى إمكانية إحلال مفهوم المقاومة فى السياسية التركية: من ثقافة المقاومة الى سياسة المقاومة
المشكلة الكبرى هى فى الحقيقة تكمن فى غياب مفهوم المقاومة فى ثقافة الجماهير و الشارع ، و لهذا الغياب علاقة قوية بطبيعة الهوية الإسلامية لأن الثقافة الإسلامية السائدة فى تركيا هى ثقافة طاعة و ليس إسلام المقاومة و المعارضة رغم تأكيد القرآن الكريم على مبادئ إسلامية أصيلة صالحة لتطوير إسلام المقاومة و المعارضة مثل الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الجهاد و العدالة الاجتماعية و إنكار الظلم بكل أنواعه و لكن الثقافة الاسلامية السائدة فى تركيا لا تصلح و لا تسمح لتطوير اسلام مرتكز على المقاومة و المعارضة دونما يتم إصلاح جذرى فى هذه الثقافة الإسلامية و دونما يتم تجديد فى الفكر الاسلامى التقليدى ، إلا أنهما ليسا بهذه السهولة و البساطة وأما التغيير الاجتماعى فواضح أنه يحتاج الى عقود و قرون من الوقت و لكن هناك بعض التطورات المبشرة بالأمل حول توجيه السياسة الحزبية نحو المقاومة مثل رفض البرلمان التركى مذكرة 1 مارس التى كانت تسمح لدخول القوات الأمريكية فى أراضى تركيا لاحتلال العراق و كان ذلك بضغط المجتمع عامة ، نساء و رجالا ، صغيرا و كبيرا و بمحاولات عدد كثير من المثقفين و الكتاب وصناع الرأى العام خاصة. و الأهم من ذلك مبادرة مؤتر الشرق المدنية و هى مبادرة تضم عددا من النخبة ذات توجهات مختلفة من الأكادميين و الكتاب و الصحافيين و الفنانين و الناشطين فى مجال المجتمع المدنى و كان ذلك مشروعا ضد استعمارى و نموذجا رائعا للتعاون بين الاسلاميين و اليساريين و بانتشار مثل هذا الجو كثرت المناقشات حول المقاومة فى شرائح المجتمع كلها و احتل مفهوم المقاومة مكانا بارزا فى المناقشات السياسية . الأمر الذى دفع عددا من النخبة من اليساريين و الاسلاميين الى تشكيل مجموعة من أجل دراسة امكانية طرح فلسفة سياسية مقاومة للاستعمار و الرسمالية العالمية إنطلاقا من القيم الاسلامية و اليسارية و مستهدفة تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية و بعد عمل مشترك استغرق لأكثر من ثمانية أشهر أعلنت المجموعة تأسيسها بعنوان ( مبادرة السياسة الجديدة ) و هى مبادرة فى غاية الأهمية لأنها تسد فراغا مهما فى السياسة التركية و ذلك لأن الأحزاب اليمينية و الاسلامية لا مكان لمفهوم المقاومة فى أجندتها و أما الأحزاب اليسارية فانه لا يمكن وصولها الى الحكم لأنها من المستحيل أن تفوز فى الانتخابات بسبب سياساتها و خطاباتها و ممارساتها المعادية للاسلام و المسلمين وبالتالى لا يمكن تأسيس حزب مقاوم فى الظروف الحالية ، قادر على المنافسة لسائلر الأحزاب الا بمشاركة اليساريين و الاسلاميين الذين يضعون مفهوم المقاومة ومبدأ العدالة الاجتماعية فى قلب سياستهم .
أذكركم مرة أخرى أن غياب أو ضعف فكرة المقاومة فى السياسة التركية لا يعنى غيابها أو ضعفها فى المجتمع
بل المجتمع أحسن حالا من الأحزاب السياسية و متعطش لتيار سياسى يضع فى أولى اهتماماته مفهوم العدالة الاجتماعية و المقاومة بكل معانيها و الدليل على ذلك تضامن المجتمع التركى مع سائر البلاد الاسلامية التى مرت و لا تزال تمر بمأساة بكل أشكالها و أوضح دليل على ذلك هو وقوفه بجانب المقاومة العراقية و الفلسطينية و اللبنانية ضد الاستعمار الجديد و بلوغ نسبة المعارضة فى تركيا لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية الى أكثر من %80 و ذلك أكبر نسبة فى العالم الاسلامى و لعله فى العالم كله واذا تم توعية المجتمع نحو ضرورة و أهمية حركة سياسية جديدة تعبر عن روح المقاومة فى المجتمع التركى فترجمة مفهوم المقاومة الى أرض الواقع السياسى تكون جديرة بالتجربة و ستكون لهذه المبادرة صدى فى أوساط صناع الرأى العام من مختلف التوجهات السياسية و الأيديولوجية.